فانوس رمضان يُعتبر أحد أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بشهر رمضان في العالم الإسلامي. وتبرز مكانته الخاصة بشكل كبير في مصر. مع اقتراب الشهر الكريم. تغص الأسواق بأشكال متنوعة من الفوانيس. وتُزين الشوارع والمنازل بأضوائها المبهجة. حكاية فانوس رمضان
تعود أصول هذا التقليد إلى حقب بعيدة. إذ ارتبط استخدام الفوانيس بالإضاءة ليلاً في زمن لم تعرف فيه الكهرباء. ومع تطور المجتمعات الإسلامية. أُضيفت للفانوس لمسات فنية وزخارف مستوحاة من العمارة الإسلامية.
مما حوله إلى قطعة تراثية ذات قيمة جمالية خاصة. كذلك. لعبت التحولات التاريخية والسياسية دورًا مهمًا في انتقال الفانوس من أداة وظيفية للإضاءة إلى رمز ثقافي واحتفالي متجذر في الوجدان الشعبي.
لذا فإن دراسة تاريخ الفانوس تُسهم في إظهار العلاقة بين الدين والعادات والحياة اليومية للمجتمعات الإسلامية. ما يجعله دليلًا على استمرارية التراث رغم تغير الأزمنة.

اصل كلمة فانوس
يرى العديد من الباحثين أن أصل كلمة “فانوس” يعود إلى اليونانية. حيث كانت تعني “المصباح” أو “المشعل”. ويدرجون احتمالية انتقال الكلمة إلى العربية عبر الحضارة البيزنطية أو اللغة القبطية في مصر خلال الفترات الرومانية والإسلامية المبكرة.
وبمرور الزمن. استقر استخدام الكلمة بصورتها العربية “فانوس“. للدلالة على المصباح المحاط بحماية خارجية للّهب. واكتسب الفانوس دلالات رمزية ممتدة في الثقافة العربية. خصوصاً المصرية. حيث أصبح مرتبطًا ببهجة رمضان وطقوسه الاحتفالية.
ترجع إحدى الروايات عن أصل هذا التقليد إلى فترة الدولة الفاطمية في مصر. وتذكر الكاتبة (إيناس محمد البهيجي) في كتابها “تاريخ الدولة الفاطمية” أن الفاطميين ابتدعوا عادات كثيرة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية والمصرية.
ومن أبرزها فانوس رمضان. عندما دخل جوهر الصقلي مصر في القرن الرابع هجري (العاشر ميلادي). أسس مدينة القاهرة كعاصمة جديدة للفاطميين وشيد الجامع الأزهر وقصر الخليفة.
وبعدها تشير المصادر إلى أن استقبال الخليفة المعز لدين الله كان في موكب مهيب مليء بالفوانيس والمشاعل التي حملها المصريون احتفالًا بقدومه.
أما الروايات الأخرى فتتنوع في تفسير ظهور الفانوس الرمضاني. وإحدى الروايات تشير إلى أن أهل القاهرة كانوا يرافقون الخليفة خلال جولاته الرمضانية حاملين الفوانيس والأناشيد للاحتفال بظهور الهلال.
وهناك رواية أخرى توضح أن الخليفة الفاطمي أمر بوضع فوانيس عند مداخل المساجد لإنارتها طوال الشهر الكريم. كذلك تشير إحدى الروايات إلى ارتباط الفوانيس بدور المسحراتي الذي كان يشير بها إلى وقت السحور. حيث كان الأطفال يرافقونه ليلاً حاملين الفوانيس ومرددين الأناشيد.
كما يُقال أن الحاكم بأمر الله أمر بمنع النساء من الخروج ليلاً إلا مصحوبات بغِلمان يحملون فوانيس لتنبيه الأشخاص بمرورهن. مع مرور الزمن. وخصوصًا خلال العصرين المملوكي والعثماني.
خرج استخدام الفانوس من الطابع الرسمي ليصبح جزءًا من تقاليد الاحتفال الشعبي بشهر رمضان. حيث أصبح الأطفال يجوبون الشوارع حاملين الفوانيس مع ترديد الأغاني الرمضانية التي تضفي أجواء خاصة على هذا الشهر المبارك.
صناعة الفانوس في العصر الفاطمي.

كانت الفوانيس تُصنّع باستخدام المعادن والزجاج وتُضاء بالشموع أو الزيت. حيث لم تكن مجرد وسيلة للإضاءة. بل أيضاً أداة عملية لتحديد أوقات الصلاة والسحور. بمرور الزمن. شهدت هذه الصناعة تطوراً كبيراً في العصر المملوكي.
حيث استلهمت أشكال الفوانيس من فنون العمارة الإسلامية مثل المآذن والقباب والمنابر والنوافذ والأبواب. وظهرت عليها زخارف هندسية وخطية بجانب الأهلة. مما أضاف طابعاً جمالياً مميزاً للفانوس.
الفانوس في العصر العثماني

في العصر العثماني. نمت هذه الحرفة بصورة أكبر. وتنوعت تصاميم الفوانيس وأحجامها. مع استخدام الزجاج الملون والألوان الزاهية التي أضفت جواً من البهجة على الشوارع المصرية. خاصة خلال ليالي رمضان.
الفانوس في القرن العشرين
وبحلول القرن العشرين. أصبحت صناعة الفوانيس من الحرف الشعبية المنتشرة على نطاق واسع في المناطق القديمة مثل السيدة زينب والغورية والحسين. حيث اشتهرت الورش الصغيرة بالإنتاج اليدوي للفوانيس باستخدام الصفيح والزجاج مع الحفاظ على الطابع التقليدي.
كان الفانوس التقليدي يعتمد على الشموع لإضاءته. لكنه تطور لاحقاً مع ظهور البطاريات ليواكب العصر. مع الاستمرار في المحافظة على شكله التراثي. كما ذكرت الكاتبة المصرية سميرة شفيق في كتابها “هنونة وجدتها سونة“. إن العمال المختصين بصناعة الفوانيس يبدؤون العمل طوال العام استعداداً لموسم رمضان. ويعتمدون على خامات بسيطة تشمل الصفيح والسلك والزجاج والألوان.

خلال عملية التصنيع. يتم رسم الشكل المطلوب أولاً ثم قص الزجاج بأدوات خاصة وقص الصفيح لتشكيل الإطار الذي يلائم الأجزاء الزجاجية. يتم بعد ذلك تثبيت الشكل النهائي باستخدام لحام القصدير. فيما يتولى كل عامل جزءاً محدداً من العملية. وصولاً إلى تلوين الزجاج وزخرفة الفانوس بمختلف التصاميم.
وكان هناك أنواع شهيرة من الفوانيس مثل أبو شمعة والمخمس وأبو باب وشقة البطيخ والشمامة والصاروخ وغيرها. التطور
الفانوس في العصر الحديث
في العصر الحديث مع تطوّر الصناعة الحديثة. أخذت الفوانيس تتجه نحو التكنولوجية الحديثة. حيث ظهرت الفوانيس البلاستيكية المستوردة من الصين التي تتميز بإضاءة موسيقية.
الأمر الذي تسبب في تراجع الإقبال على الفانوس التقليدي في بعض الفترات. ومع ذلك. لا يزال الفانوس المصري اليدوي رمزاً ثقافياً راسخاً ومحط اهتمام متزايد في السنوات الأخيرة مع دعم الصناعات التراثية.










