تعد مهنة المسحراتي من أبرز العادات والتقاليد المصرية المرتبطة بشهر رمضان المبارك. ورغم أن هذه المهنة فقدت الكثير من رونقها وشعبيتها خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال محفورة في ذاكرة كبار السن وأجيال الثمانينيات. حكاية المسحراتى
والمسحراتي هو الشخص الذي يتولى مهمة إيقاظ المسلمين ليتناولوا السحور في ليالي رمضان، وعُرف بأنه يحمل طبلة أو مزمارًا ويجوب الشوارع قبل الفجر لإعلام الناس بموعد السحور.
وتعود أصول مهنة المسحراتي إلى بدايات التاريخ الإسلامي، حيث يُقال إن بلال بن رباح، مؤذن النبي، كان أول من دعا الناس لتناول السحور، بمساعدة عبد الله بن أم مكتوم. كان بلال يوقظ المسلمين لتناول السحور، بينما كان ابن أم مكتوم ينبههم للتوقف عن الطعام مع اقتراب الفجر.

وأكد الدكتور (عمرو منير). أستاذ التاريخ والحضارة. أن السحور في مصر قبل ألف عام لم يكن مجرد وجبة تُتناول قبل الفجر. بل كان طقسًا يعكس أجواء خاصة تعبّر عن روحانية الشهر الكريم. مما يجعلة متفردًا في مصر عن بقية البلدان.
فقد كانت الناس تنتظر صوت المسحراتي وهو يتنقل في الأزقة والحارات مرددًا عبارته الشهيرة “اصحى يا نايم وحد الدايم”. صوت بسيط لكنه كان يحمل معه إحساسًا عميقًا ينبع من محبة الله وفرحة استقبال رمضان.
وقد أوضح الدكتور (عمرو) أن السحور له جذور تاريخية تعود إلى عام 238 هجريًا حينما كان الوالي العباسي (عنبسة بن إسحاق بن شمر) أول من فكر في إيقاظ الناس للسحور.

وقد اعتاد التوجه بنفسه إلى شوارع الفسطاط مناديًا: “تسحروا فإن في السحور بركة”. ومع تطور الزمن. أصبح السحور مرتبطًا بأصوات الطبل والدف والمزمار. التي باتت واحدة من سمات حلول وقت السحور.
وأشار إلى أن هذه المهنة تطورت في العصر المملوكي واكتسبت هوية فريدة جعلتها جزءًا من الحياة الرمضانية. إذ لم يقتصر دور المسحراتي على التنبيه للسحور فقط. بل كان أيضًا يضيف ألحانًا وأشعارًا تحمل قيمًا رمضانية مثل الدعاء وتذكير الناس بفضل الذكر والدعاء.
ووصل الأمر إلى احتفاظ الشعراء بمكانة خاصة للمسحراتي في كتاباتهم. كما حدث مع الشيخ محمد النجار في القرن الثامن عشر الذي أبدع كلمات تعكس فرحة قدوم رمضان.

وأضاف أن دور المسحراتي لم يكن مجرد إيقاظ عابر. بل شكّل لحظة روحانية تجمّع بين أصوات الليل وعبير الياسمين. حيث اتسمت تلك الأوقات بحالة من السكينة والقرب إلى الله. ليبدأ يوم جديد من البركة والخير مع كل نداء يدعو إلى الذكر والاستعداد للسحور.
واختتم الدكتور (عمرو منير) بالتأكيد على أن صوت المسحراتي كان رمزًا لجمال ليالي رمضان في مصر. يطوف بين الشوارع والبيوت ناقلًا مشاعر الفرح والسلام. وفي العيد يعود بنغمة احتفالية تعبر عن بهجة انتهاء الشهر المبارك. هذا التقليد ظل شاهدًا حيًا على التاريخ المصري.
حيث كان صوت الطبل وعبارة “اصحى يا نايم وحد الدايم” جزءًا أصيلًا من وجدان الشعب. ليبقى السحور حكاية رمضانية ممتدة وحميمية ترتبط بالبساطة وصفاء القلوب عبر الأجيال.















